فوزي آل سيف
313
من قضايا النهضة الحسينية : أسئلة وحوارات
إليها، ولكن الإمام في ذلك الوضع يحرص على الجانب الأخلاقي ويجنب أصحابه الآثار السيئة للشتم والسب. فإن ذكر الصفات غير الحسنة كانعدام الوعي والطاعة في الباطل، وغيرها مما كان موجودا في أهل الشام يصنع حصانة عند الطرف الناقد من الوقوع فيه عادة. وفي نفس الوقت الدعوة إلى أن تحقن دماء الفريقين، وسؤال: الله لهم الهداية من الضلال يرفع الإنسان الداعي إلى قيم مناقبية عالية. 4- إن من السهل على المتكلم أن يفرغ مخزونه النفسي ضد هذه الجهة أو تلك، جماعة كانت أو طائفة أو مذهبا، ولكن السؤال: هو عن حجم الآثار الاجتماعية التي يخلقها مثل ذلك السلوك. وفي المجتمعات الخليطة ذات المذاهب المتعددة، والطوائف المختلفة يبدو أن مثل هذا الأمر ينذر بحدوث الكوارث الداخلية، فإن (الحرب أولها الكلام) والتعبئة التي تقابلها تعبئة مضادة إلى أن تنتهي إلى الاصطدام. والحقيقة أن هناك خيطاً رفيعاً يفصل بين الحالة المبدئية ولزوم التمسك بالمعتقدات، وبين الحالة النفسية التي تفيض بمخزونها، وتصطنع الحرب. فلا أحد يدعو -ولو دعا لا يستجاب له- إلى أن تترك المعتقدات، أو يتخلى عنها، ولكن أن يفصل بين المسألة المبدئية، والشخصية، وأن تلاحظ الدعوة إلى الحق بمقدار ما تلاحظ طريقة ذلك، وأن يؤخذ بعين النظر الوضع الاجتماعي زماناً ومكاناً وأشخاصاً. ونعود ونكرر لا يعني ذلك التخلي عن المسلمات الاعتقادية، ولا يعني أيضاً تمييع الفواصل الحقيقية، لأجل ملاحظات اجتماعية وإنما يعني أن يلتزم المتكلم الحكمة في تبيين الأمور العقدية، فيناقش بهدوء، ويرد بحكمة، ويوجه بتعقل. ولعلنا نتبيّن مثل هذا أيام الإمام الصادق عليه السلام حيث نهى البعض من أصحابه([317]) عن الكلام والخوض في المناظرات العقائدية لأنهم لا يحسنون ذلك، ولا يستطيعون "أن يطيروا لو قصوهم" مع أنهم كانوا أكثر حماساً من غيرهم في هذا الأمر. بينما يأمر آخرين كـ(أبان بن تغلب) أن "جالس أهل المدينة فإني أحب أن يُرى في شيعتي مثلك". 3- طغيان الجانب السياسي: ومنها: طغيان الجانب السياسي في بعض المنابر: لا شك أن المنابر الحسينية قد قامت بدور كبير في حياة الناس عندما اقتربت من مشاكلهم وقضاياهم، بعدما كانت محصورة في فترة من الفترات في إطار الرثاء والتعزية أو السيرة، لكن لما بدأ الخطباء يعالجون القضايا الاجتماعية، ويتطرقون إلى الهموم العامة، موجهين إلى ما يفهمونه من رؤية الإسلام فيها، فقد اكتسب المنبر الحسيني قوة إضافية، وارتبطت جموع كثيرة به لكونه يعبر عن مشاكلها ويعينهم على تكوين نظرة سليمة لحلها. لكن يُلحظ في بعض المناطق من عالمنا الشيعي أن هناك تسييساً كبيراً للمنبر، بحيث يبدو الخطاب فيه وكأنه لا يختلف كثيرا عما يسمع في الفضائيات، أو يقرأ في الجرائد والمجلات.
--> 317 ) يراجع كتاب: بناء القادة في منهج أهل البيت عليهم السلام، فصل المواصفات العامة للتربية الرسالية، للمؤلف.